الغزالي

94

إحياء علوم الدين

عليك إلا لأن عندي قوت شهر ، فاحبسه لي عندك ، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلىّ وقد قال بعض العلماء : يخاف في الرد مع الحاجة عقوبة من ابتلاء بطمع ، أو دخول في شبهة أو غيره فأما إذا كان ما أتاه زائدا على حاجته ، فلا يخلو إما أن يكون حاله الاشتغال بنفسه ، والتكفل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم ، لما في طبعه من الرفق والسخاء . فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه وإمساكه إن كان طالبا طريق الآخرة ، فإن ذلك محض اتباع الهوى . وكل عمل ليس لله فهو في سبيل الشيطان ، أو داع إليه ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ثم له مقامان أحدهما : أن يأخذ في العلانية ويرد في السر ، أو يأخذ في العلانية ويفرق في السر ، وهذا مقام الصديقين ، وهو شاق على النفس ، لا يطيقه إلا من اطمأنت نفسه بالرياضة والثاني : أن يترك ولا يأخذ ، ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج منه ، أو يأخذ ويوصل إلى من هو أحوج منه ، فيفعل كليهما في السر ، أو كليهما في العلانية ، وقد ذكرنا هل الأفضل إظهار الأخذ أو إخفاؤه في كتاب أسرار الزكاة ، مع جملة من أحكام الفقر . فليطلب من موضعه وأما امتناع أحمد بن حنبل عن قبول عطاء سري السقطي رحمهما الله ، فإنما كان لاستغنائه عنه ، إذا كان عنده قوت شهر ، ولم يرض لنفسه أن يشتغل بأخذه وصرفه إلى غيره ، فإن في ذلك آفات وأخطارا . والورع يكون حذرا من مظان الآفات ، إذ لم يأمن مكيدة الشيطان على نفسه وقال بعض المجاورين بمكة . كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله ، فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفي . أنا جائع كما ترى عريان كما ترى فما ترى فيما ترى ؟ يا من يرى ولا يرى . فنظرت فإذا عليه خلقان لا تكاد تواريه ، فقلت في نفسي . لا أجد لدراهمى موضعا أحسن من هذا . فحملتها إليه : فنظر إليها ، ثم أخذ منها خمسة دراهم وقال أربعة ثمن مئزرين ، ودرهم أنفقه ثلاثا ، فلا حاجة بي إلى الباقي ، فرده . قال فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان ، فهجس في نفسي منه شيء . فالتفت إليّ ، فأخذ بيدي ، فأطافنى معه أسبوعا ، كل شوط منها على جوهر من معادن الأرض يتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين ، منها ذهب ، وفضة ، وياقوت ، ولؤلؤ ، وجوهر ، ولم يظهر ذلك للناس فقال هذا كله قد أعطانيه فزهدت فيه ، وآخذ من أيدي الخلق ، لأن هذه أثقال وفتنة ، وذلك للعباد فيه رحمة ونعمة والمقصود من هذا أن الزيادة على قدر الحاجة إنما تأتيك ابتلاء وفتنة ، لينظر الله إليك ما ذا